محمد متولي الشعراوي
5925
تفسير الشعراوى
فما دام الحق سبحانه قد خلق فهو يهدى إلى السبيل الموصل إلى الغاية ، ويقول القرآن أيضا : سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ( 1 ) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ( 2 ) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى « 1 » ( 3 ) [ الأعلى ] وهكذا يتأكد لنا أنه ما دامت هناك غاية ، فلا بد من وجود طريق يهدينا إليه من خلقنا . وهنا في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها يقول الحق سبحانه : قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ . . ( 35 ) لأنه سبحانه هو الذي خلق ؛ ولذلك فمن المنطقي أن يأتي بعد ذلك التساؤل : أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى . . ( 35 ) ؟ وسبب وجود اللام في قوله : يَهْدِي لِلْحَقِّ هو النظرة إلى الغاية ، وسبب وجود : إِلَى الْحَقِّ هو لفت الانتباه إلى أن الوصول إلى الغاية يقتضى طريقا ، فأراد الحق سبحانه في آية واحدة أن يجمع التعبيرين معا . ونحن نعلم أن هذه الآية قد نزلت في الذين اتخذوا لله شركاء ، فهم يعترفون بالله تعالى ولكنهم يشركون به غيره ، فالله سبحانه وتعالى تفرّد بالألوهية بربوبيته للخلق ؛ لأنه خلق من عدم ، ورزق من عدم ، وخلق لنا وسائل العلم ودبّر لنا الأمر ، وأخرج الحي من الميت ، وأخرج الميت من الحي ، وهدى للحق . فأين - إذن - هؤلاء الشركاء الذين اتخذتموهم مع اللّه تعالى ؟ وهل صنع واحد منهم أو كلّهم مجتمعين شيئا واحدا من تلك الأشياء « 2 » ؟
--> ( 1 ) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى . . ( 2 ) [ الأعلى ] أي : خلق الخليقة وسوّى كل مخلوق في أحسن الهيئات . وقوله تعالى : وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى . . ( 3 ) [ الأعلى ] . قال مجاهد : هدى الإنسان للشقاوة والسعادة وهدى الأنعام لمراتعها . [ تفسير ابن كثير : 4 / 500 ] . ( 2 ) ويقول سبحانه في سورة الروم : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 40 ) [ الروم ] .